قيام جماعة أهلية بإدارة احتكار العنف والمال العام يمزق الدولة الوطنية ويبعث جماعاتها العصبية … من «عهد العنف» إلى عهد التبعية المتبادلة والتعالق

المستقبل 31/5/2015 يتوسل تعليل الحوادث العربية الجارية، وعواصفها السياسية والاجتماعية والانسانية، بإحالة ثابتة وملحة الى الدولة، والى المستوى «الدولتي» والجماعات ما قبل «الدولتية» والحاجة الملحة بالارتقاء من هذه الى ذاك. وطبابة التخبط في المستنقع المحلي والطائفي والمذهبي لا تعدم دعوة حارة الى إشراك الجماعات المهمشة والأقوام والطبقات الفقيرة أو ذات الدخل المحدود، الفلاحية والعمالية، في إدارة الدولة أو الشأن الدولتي مباشرة أو غير مباشرة، وفي توزيع الدخل «الوطني» أو الناتج المشترك توزيعاً عادلاً. وترعى نظرة وسطية قطب الدين وركنه. فتحكم النظرةُ في ميزان العلاقة بين قطبين، تمييزاً وتفريقاً أو دمجاً. وتنصب المدينة والمدنيين راعياً للسياسة ونسبيتها الزمنية، و»الدينيين» والدعاة الحزبيين راعياً للدين ومطلقه. وتنسب الى كليهما منطقاً مستقلاً، وأبنية فعل وتدبير تترتب على المنطق المفترض. ولا يستقيم كلام على الدولة أو مقالة فيها من غير تناول السياسات الاقليمية، وقبلها ربما السياسات «القومية» (ليس على معنى الاتنية طبعاً)، وبعدها السياسات الدولية. فيناط الرأي المعياري في الدولة بالرأي في ثوابت سياساتها الاقليمية أو «القومية»، وفي سياساتها الدولية. فهي، على هذا، إما دولة متحررة ومستقلة ومناضلة، وشعبها مؤمن مقاوم وواحد وراء قائده، وإما دولة عميلة وخائنة، ولا شعب لها بهذه الحال أو أن ما يقوم مقام الشعب هو طوائف وعصابات وإرهاب وطاغوت رجعي.
وتتجدد آلة القول والتفكير والتعليل هذه، وأحكام العمل المتفرعة عنها، في الأزمات والحوادث الجسيمة، وعلى الاخص تلك التي يراق فيها دم كثير، وتزهق أرواح وحيوات بغير حساب، وتدمر أرزاق ومصانع ومدن، وتقطع طرق، وتنهار أو تنسف جسور على أنواعها، وتشرَّع حدود على مصاريعها. فتتربع الدولة، وملحقاتها أو مشتقاتها اللفظية والمعنوية وأجهزة القوة فيها، مفتاحاً عاماً للتشخيص والوصف والفهم والعلاج. وتترجح هذه الدولة (وهذا دورها) بين الاثبات التام والجامع- فهي هي من غير نقص ولا اعوجاج ولا عثرة- وبين النفي الاستئصالي والقاطع. فإما هي على صورتها الماثلة والقائمة والحاكمة وإما إرهاب الفوضى على حد سواء.
فلا يتردد جيش أهلي شاكي السلاح أثخن في الجماعات القريبة والبعيدة، ومزق عرى كثيرة، وأضعف ابنية مشتركة، وتنصل من معظم ما يشد أجزاء «الأمة» بعضها الى بعض، وفاقم الفقر والاعتيال- لا يتردد عن تتويج نفسه دولةً على الشعب والدولة. ويستزيد الجيش الاهلي من الرعايا الذين يحسب نفسه جديراً بحكمهم، فيقدرهم بمئة ضعف الذين يقهرهم اليوم. وقد يسبق تسللُ فريق من الجماعة الاهلية الى اجهزة القوة والادارة في الدولة انفصالَ الجماعة وقيامها على حدة من الجماعات الأخرى، وتربعَها الرسمي و»الدستوري» الاجرائي في قمم الدولة، وزعمَها الاضطلاع منفردة بوحدة الشعب والدولة معاً. وفي كلتا الحالين تؤلف الدولة المزعومة بين أمرين أو وجهين لا يجتمعان إلا بالقوة القاهرة والقسرية أمرين: وجه الجماعة الاهلية الجزئية ووجه الدولة العامة، وبنيانها الحقوقي والقانوني. وتتوسل الى سيطرتها على كل الدولة بمواردها وقوتها الخاصة وتماسكها العصبي. وتُلبس مصالحها وهي تتلخص في استيلائها على مقدرات المجتمع ومقومات تجدده ودوامه على مثال بعينه، لباس مصلحة الدولة. وترهن مصلحة الدولة باضطلاعها، هي أولاً ومن تستتبعهم وتنتخبهم اعواناً ووكلاء وعمال تنفيذ ثانياً، بمقاليد السلطان الفعلي والمستولي.
ازدواج المثال المركزي
ومثال الدولة والمجتمع هذا، على صورته الايديولوجية، حديث أو محدث. وتطلق صفة الحداثة، في هذا المعرض وربما في غيره، على ما يتحدر من مصدر أو مثال أوروبي غربي، على المعنى التاريخي الذي يشمل اليابان وجنوب افريقيا وأستراليا وتركيا… وليس الجغرافي. ففي غرب أوروبا ووسطها تنازع مثالان مختلفان، المثال الجرماني الامبراطوري والمثال «الفرنجي» أو «الفرانكي»، الوطني الأمي، الغلبة على أبنية الدولة أو نشأة من (وما يسميه) نوربرت إلياس «السيد المركزي» (عطفاً على مقالة سابقة في «المستقبل- نوافذ»، 31/10/2010 ). ويفترض المثالان مركزاً يضم إليه الاطراف والشتات والفروع، وينفرد دونها بوظائف لا يتقاسمها معها. وتتقدم الوظائف هذه وظيفتان يتولاهما جهاز القوة المسلحة وجهاز الجباية المالية.
ومثال الدولة المتداولة في العوالم العربية القريبة والمعاصرة يعزو الى الدولة التي يوحدها في الاحتكار العسكري والأمني والاداري، الحق المطلق في الانفراد بالقوة واحتكارها. ويكاد يقصر هذا المثال الدولة على التصرف غير المقيد ولا المسؤول بأجهزة القوة والادارة. وينسب الى هذه الاجهزة، والى طاقمها العيني، التمثيل التام والمطابق على غايات سياسية واجتماعية لا خيرة للمجتمع ولجماعاته في الاقرار المجمِع بها، وإعلان إقراره وإجماعه عليها. ويُخرج الاقرار والاجماع السابقان والمفترضان الغايات هذه من المداولة والمناقشة والرأي. والمداولة في الغايات العامة يُحمل على مناهضة «الامة»، وتوهين وحدتها، والانقلاب عليها وعلى طاقم دولتها وأعيانه (أو اشخاصه). والتنبيه على اضطلاع جزءٍ أهلي، مذهبي ومحلي واجتماعي وحزبي، بتعريف الغايات وحده، وبالسيطرة على مرافق الاجتماع بذريعة بلوغ هذه الغايات، خروجٌ على إجماع سابق سيق مجتمع الجماعات الى الصدوع به، وقبوله، بواسطة أجهزة الدولة والاستيلاء عليها بالقوة والحيلة والغفلة.
وهذا أشبه بحلقة مفرغة أو دور يدور على نفسه. وتتغذى مشروعية الدور من دورانه هذا، ومن طاقته على خنق أو اجتثاث الخروج من الدور والحلقة وعليهما قبل تفاقمه، وإظهاره الى العلن حقيقةَ عواملَ وفروقٍ موجودة وفاعلة كبتتها القوة، وأسكتها الإذعانُ والاقتتال والتقطع. فلا غرو أو عجب إذا استطالت أحكام رؤساء «الشعوب والعشائر»، من أمثال صدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح وزين الدين بن علي وعمر حسن البشير، وآلهم.
الامبراطوري والوطني
والانتساب الى الحداثة، أو التعليق على مشجبها، يغفل عن أمرين، اولهما مرَّ الإلماح إليه، وهو ازدواج المثال المركزي والاحتكاري. فالمثال الامبراطوري الجرماني سعى في اختصار الوحدات السياسية والاقليمية المتفرقة والمتنافسة، وفي تقليل عددها، واشتراط مقدار من القوة للمشاركة في الحلبة وصولاً الى ارتقاء واحدة من الكيانات المتنافسة مرتبة الكيان الجامع والمركزي. ولكن اتساع الاراضي الاقليمية، وتنوع الانظمة والابنية الاجتماعية والاهلية، وكثرة الجماعات المقيمة على تقاليدها، وضعف الروابط الاقتصادية وأثرها يومذاك، طبعت توحيد الكيانات بطابع زمني مديد. ولم يسلم الصراع في سبيل التوحيد، تحت لواء جهاز حكومي وأسري جديد هو سلالة آل هوهينزوليرن، من الانقسام. فنازعت السلالة الجديدة السلالة الحاكمة القديمة، آل هابسبورغ، وبقيت النمسا، إقليم آل هابسبورغ، خارج التوحيد الألماني. وأسعفت المنازعة الجهاز الحكومي والاسري الجديد، وقوت عرى دولته، ولكنها ادت الى تصدع الكيان الامبراطوري الهابسبورغي وانهياره (وجر التصديع والانهيار الى حروب اقليمية في البلقان والجوار الروسي توجتها الحربان الكونيتان أو العالميتان الاخيرتان). فالكيانات الكثيرة الاجزاء والوحدات، والمتفرقة النسيج والبنيان، والناشئة عن تربع ولاية واحدة وصورية في سدتها، ولم تسبقها نزاعات تتولى دمج الأجزاء تدريجاً، ولا سبقها احتكار وظيفي عام تشترك فيه معظم الجماعات الوطنية – قلما تنتج أو تنشئ وحدات سياسية واجتماعية مستقرة ومتماسكة.
والدمج المتدرج والبطيء عامل راجح في تماسك الدولتين البريطانية والفرنسية. ويعود تعاظم المركزية البريطانية، أو شطر غالب منه، الى ضيق الاقليم، نسبياً، والى عزلة «الجزيرة». فخاض الخصمان المتنازعان على السلطان حرباً لم تعوق حسمّها الخصوصيات المحلية، ولا عوقه عددُ المتنافسين الكبير. وعلى هذا، لا تجوز المقارنة بين البرلمان الانكليزي وبين مجلس أو جمعية «دول» الامبراطورية (الجرمانية)، وهي جائزة بين البرلمان الانكليزي وبين مجالس الولايات الألمانية. فثمة شبه بين الولاية الواحدة، أو «القطر» في مصطلحنا البلدي والأسري، والجزء من السلطنة العريضة، وبين اقليم الدولة، أقوى من الشبه بين الاطار السلطاني او الامبراطوري وبين اطار الدولة، الوطنية من بعد. فمركزية الأول، الاطار الامبراطوري، أضعف من مركزية الثاني وأقل ثباتاً. فلا يسعها التخفف من منازع محلية وبلدية و»وطنية» تتصور في الازمات والحروب، وإبان المنعطفات الحادة، في صورة انشقاق خطير يتطاول تهديده الى مقومات «وجود» الكيان السياسي والتاريخي ولا يقتصر على تهديد «الحدود» (وليس من قبيل الاتفاق الكيفي أن ينقل العبارة الالمانية والنازية الى العربية السياسية العسكرية «القومية» كاتب «سوري قومي» لبناني، في دوامة الحروب الملبننة، خدمة لسياسة حافظ الاسد وخلطها المتعمد الاستيلاءَ على لبنان، وتخزينَ المنظمات الفلسطينية فيه، وقتالَ اسرائيل بالواسطة ومفاوضتها مواربة، وابتزاز «العرب» ومفاوضتهم، ومراجعة اتفاق سايكس وبيكو…معاً. وحذا حذوه أخيراً خطيب الجماعة الخمينية المسلحة).
فالانتساب العروبي الى الحداثة، وتذرعه بمثال الدولة المركزية والوطنية (والعروبيون يقولون على الدوام:» القومية») يلبِّس قصده ومثاله. وهذا التلبيس يتطاول الى النفس تطاوله الى الغير. فهو يعني المثال الامبراطوري الشكلي، وتعاليه الظاهر على الفروق الكثيرة و»الثانوية»، ولكنه يملأ المثال هذا عملياً بإدارة مركزية، بيروقراطية وعسكرية أمنية، وبسيطرة كلية ومباشرة شاغلها القضاء على الفروق المحلية والبلدية أو الحؤول بينها وبين العبارة عن نفسها. فحلت «الدولة» ومفهومها المركزي المجرد واحتكارها أجهزة القوة والجباية والكناية عن فكرة الهوية الرمزية الجامعة، محل الأبنية السياسية والاجتماعية والثقافية التي تفتح بين الجماعات والأقوام وبين دوائرها المشتركة والمختلطة والعامة، وترعى منازعاتها في ظل هذه الدوائر وأفقها.
من التحطيم الى الاندماج
ويلاحظ نوربرت إلياس، حين ينبه على اتصال الاحتكارين: احتكار الجباية المالية واحتكار القوة العسكرية والأمنية أو البوليسية وقيام الاول من الثاني مقام الشرط، (يلاحظ) أن أجهزة السيطرة التي تضمن فاعلية الاحتكار المزدوج لا تبلغ الضمان المرجو والناجع إلا من طريق جهاز كثير المرافق ومشرَّع على تنوع القوى الاجتماعية واختلافها. وتقود كثرة المرافق وإشراع الجهاز الى تغيير مقاصد النزاعات أو الصراعات الاجتماعية وغاياتها. فمن سعي القوى الاجتماعية المتنازعة في الغاء احتكار السيطرة برمته تتوجه هذه القوة الى السعي في الحصول على مداخل أو جسور تبلِّغها مواضع ومحال من الجهاز الحاكم، وتعود عليها بشطر من وظائفه وعوائده. ويؤرخ الانتقال، من السعي الاول في الالغاء الى السعي الثاني في القسمة الى انتقال سياسي موازٍ من حروب تنزع الى التملص من جهاز السيطرة والحكم، والى اضعافه وتحطيمه، الى معارضة تنزع الى الاندماج في الجهاز وتعظيم أثرها فيه وفي عمله.
وتبرز أعراض الانتقال في القرن الحادي عشر الميلادي، وفي الولايات الفرنجية (الفرانكية) الغربية، وتتناول دائرتي الجباية المالية والتجنيد العسكري. وكان الفارس (الشريف او النبيل نسباً والمحارب عملاً أو وظيفة) يباشر كل وظائف الحكومة والتدبير في نطاق إقطاعه أو أرضه. فهو يشن، من تلقاء نفسه، أو خاصّه، الحرب ليضم الى ملكه أرضاً جديدة، أو يشنها دفاعاً عن أرضه. وتحمل زيادة السكان المطردة تعاظم الشهية الى الارض، وعلى التوسع. ويتوسل التوسع بوسائل العنف الحربية والاقتصادية معاً، على خلاف منازعات القرن التاسع عشر التي حرمها احتكار الدولة العنف الحربي الوسائل العسكرية.
وعلاقة المتبوع بتابعيه ذات وجهين. فمراكمة الارض والجند والمال بين يدي رجل واحد سرعان ما تتخطى طاقة الرجل على تدبير أو تصريف شؤون ملكه أو نفوذه وسلطته، وتضطره الى الانخراط في الشبكة الاجتماعية المؤتلفة من التابعين، والاقرار بتبعيته لهم. وفي وسع السيِّد المتبوع، والقائم في وسط أبنية قوية، التزام الضوابط والقيود التي تفرضها عليه هذه الابنية، وتعظيم حظوظها من الانتاج والعوائد، على نحو ما يسعه الانقياد الى شهواته وأهوائه من غير اعتبار احتياجات جهاز اجتماعي معقد آل آمره اليه، فلا يلبث الجهاز ان يتعثر قبل أن يتداعى وينهار. وذلك أن حيازة احتكار، أو يد طولى في حقل أو مجال، تقتضي مبدئياً وعملياً تولي إدارةٍ وتقسيمِ عمل دقيق القيامَ بأعباء الاحتكار وتدبيره. وتنتزع ضوابط الادارة وتقسيم العمل ومعاييرُهما من أيدي اصحاب الاحتكار التصرفَ على هواهم في أمور احتكارهم، وتقصرهم (الضوابط والمعايير)، وتقصر وظيفتهم على تنفيذ «اوامر» الجهاز الاجتماعي التنظيمي وموجباته.
قيود العام على الفوضى
فعلى سبيل المثل، نمت الموازنة العامة المالية او موازنة الدولة بدءاً من موازنات الاسر الاقطاعية «الخاصة». والأدق القول أن تمييز العائد العام من الدخل الخاص لم يكن قائماً ولا واضحاً حتى في اعقاب توسع العوائد وتغذيتها من زيادة الرسوم على المبادلات التجارية، وتحول احتكار ملك الارض الى احتكار ضريبي. فمضى سيد الاقطاع او القطيعة على التصرف بهذه العوائد المتكاثرة والمتعاظمة، ظاهراً، على نحو ما كان يتصرف بعوائد أرضه. والحق أن التدقيق في البابين، باب العائدات وباب النفقات، يبرز تقييد يد صاحب الاحتكار عن التصرف الحر في أمواله. فالنفقات الثابتة التي تترتب على تولي جهاز الادارة المختص والمحترف التدبيرَ لا تنفك تتعاظم، وتتعاظم معها تبعية وظيفية، واجتماعية وقانونية، ثقيلة تمليها المصالح المستقرة والمستقلة، من وجه، والقوانين العامة، من وجه ثان. وهذه القسمة- بين عالم اجتماعي ووظيفي مديد ومترابط، وبين خاص يولي صاحب المِلك أوالاحتكار مكانة على حدة ولكنها لا تخرج عن منطق التوزيع الوظيفي- هي في أصل تقسيم عام يُلحق عمل الفرد ووظيفته بكتلة كبيرة من الاشخاص، بالغاً ما بلغت حظوظ الفرد الاحتكارية من الرجحان والفرادة، على قول إلْياس.
ويقود تشارك المِلك والاعمال، في مجتمعٍ تعالقُ وظائفه الاجتماعية ضعيف، الى الفوضى والتصدع أو الى استيلاء فرد أو عصابة (أوليغارشية) على «الشركة». فشبكة التبعية (التعالق) المتبادلة، وتمايز الوظائف بعضها من بعض، شرط الحؤول دون احتكار الحظوظ والفرص احتكاراً خاصاً وفردياً أو عائلياً. وانقلاب أو تحول احتكار الاكراه الجسدي أو جباية الضرائب من طور «خاص» الى طور «عام» تتولاه الدولة، شرطه اللازم هو التبعية الاجتماعية والوظيفية المتبادلة. فإذا لم يحظَ الافراد الضالعون في وظائف أو أعمال اجتماعية متعالقة بثقل نوعي، ناجم عن اختصاص وظائفهم بأدوار لا تعود إلا إليها وإليهم تالياً، لم تبلغ الشبكة الاجتماعية الاستقرار والتوازن اللذين يرعيان توزيع العوائد والفرص على نحو عادل أو متكافئ، وبحسب إرادة الفريق الاجتماعي أو جماعته. وكبحُ النازعِ الى الاستقرار والتوازن رعايتِهما التوزيعَ المتكافئَ … يؤول لا محالة الى توطين المنازعة والخلاف في الشبكة. فمرحلة المنافسة المقيدة بالاحتكار الاداري والمالي، على خلاف المنافسة الحرة والمطلقة السابقة، تقتضي «طباعاً انسانية» مناسبة أو ملائمة مثل التقيد بقواعد عامة ومركزية، ومراعاة المهارات والاختصاصات مراعاة دقيقة، والاقرار بأدوار أصحاب المهارات والاختصاصات وحقوقهم…
فما كان جائزاً في «عهد العنف»، يوم كان التوسل بالقوة المادية والعارية سبيلاً الى اقتسام العوائد والفرص، بَطُل جوازه مع احتكار العنف، واجتماعه في يد جماعة غالبة تتولى الإمرة، وتوزيع العوائد والحقوق على «الأسر» الاخرى (قبل انحلالها ودخولها في العامة). وهذه الحال لا تلغي المنافسة، على ما مر القول، بل تهذبها وتؤدبها وتكبح نازعها الى المباشرة والتلبية السريعة. وتبعية الافراد المتبادلة وتعالقُهم يقسرانهم على التحفظ والإمساك، وعلى ضبط انفعالاتهم. فيتجاذب الافرادَ نازع أول الى مقاومة إكراهات المركز وإملاءاته، ونازع ثانٍ الى كراهية حالِ الاذعان الى القوة الثقيلة التي ينوؤن بها. فهن يحنّون الى المنافسة الحرة والى «الفروسية» («فرسان رفعت الاسد» قبل 1983 ومديح عفلق صدام حسين بـ»فتى العرب»…) وأخلاقها السابقة، وفتخرون بـ»زمهم» نفسهم، على قول بعض ناقلي كتب الاخلاق العملية اليونانية الى العربية، وسيطرتهم على نزعاتهم المستبدة، ويستمتعون باللذات الجديدة التي يتيحها زَمُّ النفس. وانقسام النفس هذا هو بابها على التمدين الاجتماعي والسياسي، موضوع عمل نوربرت إلْياس، وعلى فنون وأشكال أدبية و»علمية» أبرزها الرواية والنفسانيات والاجتماعيات. ومدار هذه على الفرد المواطن، وعلى ترجحه بين أقطاب أو منازع لا يؤمل التوفيق بينها إلا لماماً وبشق … النفس.
ومن أمارات الانعطاف التاريخي، وإفضائه الى «دينامية (مجتمعات) الغرب»، على وسم الكاتب الجزء الثاني من «تمدين السنن والعادات»، عزوف البورجوازيات الاوروبية عن منافسة الاشراف والفرسان على مِلك الارض، وعن إعمال الثروة العقارية في كسر الاحتكار الضريبي المالي والعسكري. فالاحتكار المزدوج هو ركن الكيان البورجوازي الاجتماعي، وشرط المنازعة على الظفر بالفرص والعوائد الاقتصادية. ويتيح إخراج الاحتكار المزدوج من دائرة غايات الصراع الاجتماعي وأغراضه إدارة الصراع على تقاسم ثمراته وتوزيعها من غير امتيازات موروثة أو ريوع محصنة. ولا يشذ مدبرو الاحتكار، وهم أجهزة الدولة والادارة وطواقم هذه الاجهزة، عن الميزان العام الذي تقره التبعية المتبادلة ويقره التعالق السائر بين أجزاء الوظائف والتدبير. وتتولى هيئات موصوفة مراقبة النزاع على تدبير الاحتكار المزدوج وإدارته وسياسته. ويتولى قممَ الدولة من ينتصرون في «مباريات» دورية وسلمية ترعاها الادارة الاحتكارية او الحصرية. ويؤذن هذا بولادة النظام الديموقراطي. ومن غير تنظيم الاحتكار المزدوج، المالي والعسكري، على هذا النحو، يستحيل قصر المنافسة على الحظوظ والفرص والعوائد على الدائرة الاقتصادية وحدها، والحؤول دون انفجارها عنفاً اجتماعياً أو أهلياً.http://almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=NP&ArticleID=662828Original Article

عن zekal3_3

شاهد أيضاً

إبريق قهوة عتيق من الخزف من الخمسينات

إبريق قهوة عتيق من الخزف من سنوات الخمسينات Original Article